إن التنفيذ الجبري ليس مجرد إجراء آلي بل هو تجسيد لسيادة القانون في أبهى صورها حيث تتحول العدالة من منطق الحجة والبرهان إلى منطق القوة والإلزام فالغاية الأسمى للتقاضي تتبدد إذا لم تتبعها آلية ناجزة تقتلع الحق من يد الغاصب أو المماطل لتعيده إلى كنف صاحبه بقوة السلطة العامة التي لا تعرف المهادنة في نصرة الحقوق المقررة قضائيا.
أولا/ التكييف القانوني للسند التنفيذي وحجيته:
يمثل السند التنفيذي الركيزة الجوهرية التي لا ينعقد التنفيذ إلا بها وهو يكتسي صبغة رسمية تمنحه صفة النفاذ المعجل أو النهائي ويجب أن يتضمن السند حقا جليا لا غموض فيه ولا لبس بحيث يكون الحق معينا بذاته أو بنوعه ومقدار وشرط استحقاقه فالقضاء لا يحرك أدوات القسر إلا بناء على يقين قانوني مطلق يستند إلى أحكام قطعية أو محررات موثقة تتمتع بالقوة الثبوتية التي تعلو فوق مظنة النزاع وتمنح صاحبها ولاية المطالبة بالتنفيذ المباشر تحت حماية الدولة.
ثانيا / الأصول الإجرائية والمراكز القانونية في التنفيذ:
تبدأ عملية التنفيذ بمرحلة الإخطار والإنذار وهي مرحلة إجرائية حتمية تهدف إلى إعسار ذمة المدين ومنحه المهلة القانونية المقررة للوفاء الطوعي فإذا ما ركب المدين مركب العناد انفتحت أمام الدائن مسارات الحجز التنفيذي التي تضع أموال المدين وممتلكاته في قبضة القضاء تمهيدا لتسييلها وتحويلها إلى مبالغ نقدية تفي بالالتزام وهنا تبرز دقة المشرع في الموازنة بين حماية الدائن في استرداد ماله وبين صيانة الحد الأدنى لكرامة المدين عبر استثناء بعض الأموال الضرورية من نطاق الحجز لضمان عدم سحقه اجتماعيا.
ثالثا / منازعات التنفيذ وأثرها على صيرورة العدالة:
تعتبر إشكالات التنفيذ من أدق المعارك القانونية التي يخوضها الخصوم في الرمق الأخير من النزاع حيث يحاول المحكوم عليه استنباط دفوع جديدة تتعلق بصحة إجراءات التنفيذ أو انقضاء الالتزام بعد صدور السند ويصنف القانون هذه الإشكالات إلى أنها وقتية تهدف لوقف التنفيذ لحين الفصل في جديتها وموضوعية تمس أصل الحق وصحة السند ويكون للقاضي المنفذ سلطة تقديرية واسعة في قمع المحاولات الكيدية التي تستهدف التسويف وإطالة أمد النزاع بغير مبرر قانوني سليم لضمان عدم إفراغ الأحكام من هيبتها ومقاصدها.
رابعا / البيع القضائي وتطهير الحقوق من الشوائب:
تتوج إجراءات التنفيذ بمرحلة البيع الجبري عن طريق المزاد العلني وهي عملية قانونية معقدة تخضع لرقابة قضائية صارمة لضمان الشفافية وتحقيق أعلى قيمة سوقية للمال المحجوز ويترتب على رسو المزاد وتطهير العقار أو المنقول انتقال الملكية إلى المشتري الجديد خالية من كافة الرهون والالتزامات السابقة وهذا هو جوهر النفاذ الذي يقطع الصلة بين المدين وأمواله رغما عنه استيفاء لعدالة طال انتظارها وتوزيعا للأنصبة بين الدائنين وفقا لمراتب الامتياز والسبق التي يقررها القانون.
ملاحظة ختامية :
إن التنفيذ هو روح القانون وشريان العدالة النابض فمن أدرك أسرار التنفيذ فقد ملك مفاتيح النصر القانوني الحقيقي والحق الذي لا تحميه قوة التنفيذ هو حق مهيض الجناح لا يغني صاحبه شيئا لذا وجب على رجل القانون أن يخطط لمرحلة التنفيذ قبل البدء في الخصومة ذاتها فالعبرة بالخواتيم وبلوغ الغايات واستقرار الحقوق في مستقرها النهائي.
بقلم المحامي / شهاب حمود سيف